سيد محمد طنطاوي

78

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والتعبير بالهداية والصراط فيه ما فيه من التهكم بهم ، والتأنيب لهم فكأنه - سبحانه - يقول : بما أنهم لم يهتدوا في الدنيا إلى الخير وإلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم ، فليهتدوا في الآخرة إلى صراط الجحيم . وقوله - سبحانه - * ( وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) * زيادة في توبيخهم وإذلالهم ، والوقف هنا : بمعنى الحبس . قال القرطبي : يقال : وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا . . أي : احبسوهم ، وهذا يكون قبل السوق إلى الجحيم ، وفيه تقديم وتأخير أي : قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار . . « 1 » أي : واحبسوهم في موقف الحساب ، لأنهم مسؤولون عما كانوا يقترفونه في الدنيا من عقائد زائفة ، وأفعال منكرة ، وأقوال باطلة . ولا تعارض بين هذه الآية وأمثالها من الآيات التي صرحت بأن المجرمين يسألون يوم القيامة ، وبين آيات أخرى صرحت بأنهم لا يسألون كما في قوله - تعالى - : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِه إِنْسٌ ولا جَانٌّ . أقول لا تعارض بين هذه الآيات ، لأن في يوم القيامة مواقف متعددة ، فقد يسألون في موقف ولا يسألون في آخر . . أو أن السؤال المثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع والسؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار . قوله - تعالى - : * ( ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ) * تقريع آخر لهم ، أي : ما الذي جعلكم في هذا اليوم عاجزين عن التناصر فيما بينكم - أيها الكافرون - مع أنكم في الدنيا كنتم تزعمون أنكم جميع منتصر ؟ ثم أضرب - سبحانه - عما تقدم إلى بيان حالهم يوم القيامة فقال : * ( بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) * . والاستسلام : أصله طلب السلامة ، والمراد به هنا : الانقياد التام ، والخضوع المطلق . يقال : استسلم العدو لعدوه ، إذا انقاد له وخضع لأمره . أي : ليسوا في هذا اليوم بقادرين على التناصر ، بل هم اليوم خاضعون ومستسلمون ، لعجزهم عن أي حيلة تنقذهم مما هم فيه من بلاء . ثم يحكى - سبحانه - ما يدور بينهم من مجادلات يوم القيامة فيقول : * ( وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 74 .